بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشتقنا لك يا رسول الله !
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وآله وصحْبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.أمَّا بعدُ:
فقبل أنْ نبيِّن حُكم هذا القول: "اشتقنا لك يا رسول الله"، لا بدَّ أن يَعلم المسلمون أن العبادات توقيفيَّة، حتى يدل الدليل عليها من الكتاب والسُّنة، والعبادات منها اعتقادٌ قلبي؛ كالحب والإخلاص وغير ذلك، ومنها أفعال؛ كالصلاة والحَج، ومنها أقوال باللسان؛ كالأذكار وقراءة القرآن، والدليل على أنَّ العبادات توقيفيَّة ما أخرَجه الإمام مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها -
أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن عَمِل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رَدٌّ))، وفي رواية عند البخاري ومسلم أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن أحدَث في ديننا هذا ما ليس منه، فهو رَدٌّ))، ومن الأمور المحدَثة الأقوال والألفاظ التي انتشَرت في السنوات الأخيرة كقولهم: "اشتقْنا لك يا رسول الله"، وقولهم: "أنا مجنون بحبِّك يا رسول الله"، وقولهم: "أعشقك يا رسول الله"، وقولهم: "أموت فيك يا رسول الله"، وقولهم: "أموت في حبِّك يا رسول الله"، وقولهم: "وَلَهُنا عليك يا رسول الله"، وقولهم: "مُغرم بحبِّك يا رسول الله"، وغير ذلك من الأقوال، فهي أمور مُحدثة لَم يَقُلْها الصحابة ولا التابعون ولا تابعو التابعين، بل ظهَرت بعد أحداث الدنمارك من بعض شبابنا الذين ليس عندهم علْمٌ شرعي، وإنَّما حبُّهم للخير وحماسهم قادَهم لهذه الأقوال، ولكن كم من مُريد للخير لَن يُصيبه.
جاء في سُنن الدارمي أنَّ أبا موسى الأشعري قال: يا أبا عبدالرحمن - يعني: ابن مسعود - إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرْته، ولَم أرَ والحمد لله إلاَّ خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: رأيت في المسجد قومًا حِلَقًا جلوسًا، ينتظرون الصلاة، في كلِّ حلقة رجل وفي أيديهم حَصًى، فيقول: كبِّروا مائة فيكبِّرون مائة، فيقول: هلِّلوا مائة، فيهلِّلون مائة، ويقول: سبِّحوا مائة، فيسبِّحون مائة، فقال ابن مسعود لأبي موسى: ماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئًا انتظار رأْيك أو انتظار أمْرك، قال ابن مسعود: أفلا أمرتَهم أن يَعُدوا سيِّئاتهم، وضَمِنتَ لهم ألاَّ يضيعَ من حسناتهم، ثم مضَى ابن مسعود ومضيْنا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحِلَق، فوقَف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبدالرحمن، حصًى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدُّوا سيِّئاتكم، فأنا ضامن ألاَّ يضيعَ من حسناتكم شيءٌ، ويْحَكُم يا أُمَّة محمد، ما أسرع هلَكَتكم! هؤلاء صحابة نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - متوافرون، وهذه ثيابه لَم تَبْلَ، وآنيته لَم تُكْسَر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى مِلَّة هي أهدى من مِلَّة محمد، أو مُفْتَتحو بابَ ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبدالرحمن ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مُريد للخير لن يُصيبه!.
وجاء عند الإمام أحمد والدارمي من حديث العِرباض بن سارِيَة أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: ((مَن يَعِش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ عليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجِذ، وإياكم ومُحدثات الأمور، فإنَّ كل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)).
وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في خطبته يوم الجمعة: ((أمَّا بعد، فإن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخير الهَدْي هَدْي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشَر الأمور مُحدثاتها، وكل بدعة ضلالة))، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وأخيرًا: حُبُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس قولَ اللسان، وكتابة الشعارات، واختراع الكلمات والألفاظ، حُبُّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - هو: تصديقه فيما أخبَر، واتِّباعه فيما أمَر، واجتناب ما نَهى عنه وزجَر، وألاَّ يُعبد الله إلاَّ بما شرَع، وهذا هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
هذا والله أعلمُ، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيِّنا محمدٍ وآله وصحْبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
المصدر: الألوكه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق